القاضي عبد الجبار الهمذاني
107
المغني في أبواب التوحيد والعدل
يقضى بنحو ما يسمع ، وأنه إذا قضى بشيء لواحد لم يحل له أن يأخذه إذا علم خلافه ، إلى غير ذلك مما روى عنه في هذا الباب . وكل قول يؤدى إلى أن الإمام أعلى رتبة من الرسول وجب فساده . فإن قيل : إنما جاز في الرسول أن يعلم ذلك حالا بعد حال لأمر يرجع إلى تمكنه من الوحي وتوقعه له ، وليس كذلك حال الإمام لأن الوحي عنه منقطع ، فلا بد من أن يكون في ابتداء أمره ، مستغرقا للعلوم وأن يكون أول أمره كأمر الرسول . قيل لهم : ما الّذي يمنع في الإمام أن يرجع في الأحكام التي تعترض حالا بعد حال ، إلى ما ذكرناه من تعرف الأخبار أو إلى قول الأمة ، أو إلى طريقة / الاجتهاد ، لأن كل ذلك مما يجوز التعبد به عقلا ، فسبيلها سبيل انتظار الوحي ، فجوزوا ذلك ، بل جوزوا أن يلزمه الرجوع في ما لا . . . « 1 » إلى طريقة العقل ، أو يلزمه التوقف عند الشبهة ؛ لأنه إذا كان عندكم أن يكون الإمام قائما في الزمان ، ويصير ممنوعا من إقامة الحدود والأحكام وسائر ما فوض إليه ، فما الّذي يمنع مع تمكنه من أن يتوقف في بعض ذلك ؟ وإن « 2 » ما نذكر في هذه الأمور من جهة العقل ، فليس لأحد أن يعترض علينا بورود السمع بخلافه . ويقال لهم : أليس قد ثبت عنه عليه السلام ، وعن أمير المؤمنين ، أنهما ولّيا من أخطأ وزال عن الطريق ؟ فلا بد من الإقرار بذلك لتواتر الخير فيه . فيقال لهم : إذا جاز ذلك ولا يوجب فسادا ، فما الّذي يمنع من أن يكون الإمام عالما بالأحكام ويجتهد فيما يتولاه ؟ لأنه إذا جاز أن يجتهد فيما يوليه ، ويجوز الغلط فيه ، كان له أن يجتهد فيما يتولاه وإن جاز مع ذلك . ولو منع العقل من أحدهما لوجب أن يمنع من الآخر .
--> ( 2 ) في الأصل بعد عبارة ( فيما لا ) إشارة إلى أن هاهنا سقطا . ( 1 ) في الأصل ( وإنما ) والأولى أن تكون ( ما ) اسم ( أن ) و ( من جهة العقل ) خبرها .